السبت, 18 تشرين2/نوفمبر 2017   الموافق لـ 29. صفر 1439

فصل الخطاب في بيان فرض النقاب

عدد المشاهدات: 3751 أضيفت بتاريخ: الجمعة, 05 نيسان/أبريل 2013. نشرت في: عامة, مميز

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

إنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلاَ مُضِلَّ لَهُ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلاَ هَادِىَ لَهُ وَأَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ .

أَمَّا بَعْدُ :

فقد كثر في وسائل الإعلام على تنوعها خروج المرأة سافرة ومتزينة بكامل زينتها , وقد يظن بعض الناس أنه طالما أنه يجوز للمرأة  كشف وجهها في قول بعض أهل العلم  أن الخَطب يسير , وأنها من صغائر الذنوب  وهو في الحقيقة من المنكرات الكبيرة  , قال تعالى:{وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً }[الأحزاب:33 ].

 

قال الراغب:" يقال ثوب متبرج صور عليه بروج واعتبر حسنه فقيل : تبرجت المرأة أي : تشبهت به في إظهار الزينة والمحاسن للرجال أي : مواضعها الحسنة.

وقوله:{تَبَرُّجَ الْجَـاهِلِيَّةِ الاولَى} أي : تبرجاً مثل تبرج النساء في أيام الجاهلية القديمة قبل الإسلام  , وأما الجاهلية الأخرى فهي المذكورة في قوله r:[ صِنْفَانِ مِنْ أَهْلِ النَّارِ لَمْ أَرَهُمَا قَوْمٌ مَعَهُمْ سِيَاطٌ كَأَذْنَابِ الْبَقَرِ يَضْرِبُونَ بِهَا النَّاسَ وَنِسَاءٌ كَاسِيَاتٌ عَارِيَاتٌ مُمِيلاَتٌ مَائِلاَتٌ رُءُوسُهُنَّ كَأَسْنِمَةِ الْبُخْتِ الْمَائِلَةِ لاَ يَدْخُلْنَ الْجَنَّةَ وَلاَ يَجِدْنَ رِيحَهَا وَإِنَّ رِيحَهَا لَيُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ كَذَا وَكَذَا ] رواه مسلم.

وعن عبد الله بن عمرو يقول: سمعت رسول الله r يقول:[ سيكون في أخر أمتي رجال يركبون على سروج كأشباه الرجال، ينزلون على أبواب المساجد، نساؤهم كاسيات عاريات على رؤوسهن كأسنمة البخت العجاف، إلعنوهن، فإنهن معلونات، لو كان وراءكم أمة من الأمم خدمهن نساؤكم كما خدمكم نساء الأمم قبلكم ] رواه ابن حبان في صحيحه وصححه الألباني.

 

وأعلم بأنه لا يوجد بين الصحابة y خلاف أنه يجب على المرأة تغطية وجهها فهو أمر ظاهر بين المسلمين في الصدر الأول لا يخفى على عامتهم فضلا عن علمائهم  , قال تبارك وتعالى:{ وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاء بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاء بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُوْلِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاء وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ }[النور:31].

 

أخرج ابن جرير ، وَابن المنذر ، وَابن أبي حاتم والبيهقي في "سُنَنِه" عن ابن عباس في قوله:{ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها} قال:(( والزينة الظاهرة ، الوجه وكحل العينين وخضاب الكف والخاتم فهذا تظهره في بيتها لمن دخل عليها , ثم قال:{ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن أو آبائهن} والزينة التي تبديها لهؤلاء قرطاها وقلادتها وسوارها فأما خلخالها ومعضدها ونحرها وشعرها فانها لا تبديه إلا لزوجها )).

وأخرج ابن جرير عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ في قَوْلُهُ:{وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا} قَالَ:(( وَالزِّينَةُ الظَّاهِرَةُ : الْوَجْهُ ، وَكُحْلُ الْعَيْنِ ، وَخِضَابُ الْكَفِّ ، وَالْخَاتَمُ ؛ فَهَذِهِ تَظْهَرُ فِي بَيْتِهَا لِمَنْ دَخَلَ مِنَ النَّاسِ عَلَيْهَا )). انظر تفسير الطبري:(17 / 259).

وأخرج ابن جرير عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ في قوله:{وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا} قَالَ:(( الْكُحْلُ وَالْخَاتَمُ )) انظر تفسير الطبري:(17 / 258).

وأخرج ابن جرير عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ:(( الظَّاهِرُ مِنْهَا : الْكُحْلُ وَالْخَدَّانِ )) انظر تفسير الطبري:(17 / 258).

 

وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ في قَولَه:{وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ لِبُعُولَتِهِنَّ} . إِلَى قَوْلِهِ : {عَوْرَاتِ النِّسَاءِ} قَالَ:(( الزِّينَةُ الَّتِي تُبْدِيْهَا لِهَؤُلاَءِ : قُرْطَاهَا وَقِلاَدَتُهَا وَسِوَارُهَا ، فَأَمَّا خَلْخَالاَهَا وَمِعْضَدَاهَا , وَنَحْرُهَا , وَشَعْرُهَا فَإِنَّهُ لاَ تُبْدِيهِ إِلاَّ لِزَوْجِهَا ))  انظر تفسير الطبري:(17 / 264).

وأخرج ابن جرير عَنْ أَبِي الأَحْوَصِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ:{وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا} قَالَ:(( الثِّيَابُ )) انظر تفسير الطبري:(17 / 257).

 

فدلت الآية على أمرين :

الأول :من يجوز لهن كشف الوجه والكفين لهموهم من لم يذكرهم الله في إبداء الزينة وهم العم والخال وجميع من يحرم عليهن نكاحهم من الرضاعة وعلى هذا يحمل قول ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى:

{ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا } , على الْكُحْلُ وَالْخَدَّانِ.

 

وأخرج ابن جرير ، وَابن المنذر ، وَابن أبي حاتم والبيهقي في "سُنَنِه" عن ابن عباس في قوله:{ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها} قال:(( والزينة الظاهرة ، الوجه وكحل العينين وخضاب الكف والخاتم فهذا تظهره في بيتها لمن دخل عليها , ثم قال:{ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن أو آبائهن} والزينة التي تبديها لهؤلاء قرطاها وقلادتها وسوارها فأما خلخالها ومعضدها ونحرها وشعرها فانها لا تبديه إلا لزوجها )).

وأخرج ابن المنذر عن أنس في قوله{ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها} قال:(( الكحل والخاتم ))

قال شيخ الإسلام " وقد نهاهن الله عن إبداء الزينة ألا ما ظهر منها وأباح لهن إبداء الزينة الخفية لذوي المحارم ومعلوم إن الزينة التي تظهر في عموم الأحوال بغير اختيار المرأة هي الثياب فأما البدن فيمكنها إن تظهره ويمكنها إن تستره ونسبة الظهور إلى الزينة دليل على أنها تظهر بغير فعل المرأة وهذا كله دليل على إن الذي ظهر من الزينة الثياب " أ.هـ انظر شرح العمدة:[ ج4/ص269 ].

يشير رحمه الله إلى ما رواه عبد الرزاق وسعيد بن منصور ، وَابن أبي شيبة ، وعَبد بن حُمَيد ، وَابن جَرِير ، وَابن المنذر ، وَابن أبي حاتم عن ابن مسعود في قوله {ولا يبدين زينتهن} قال : الزينة ، السوار والدملج والخلخال والقرط والقلادة:{إلا ما ظهر منها} قال : الثياب والجلباب " فهذا الذي تبديه المرأة إذا برزت خارج بيتها

الثاني :من يجوز إبداء الزينة لهم وهم المذكورون في الآية تخصيصا دون غيرهم فلم يقل وأعمامهن وأخوالهن , وأخرج ابن أبي شيبة ، وَابن المنذر عن الشعبي وعكرمة في هذه الآية:{ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن} حتى فرغ منها قال:(( لم يذكر العم والخال لأنهما ينعتان لابنائهما فلا تضع خمارها عند العم والخال )).

وأخرج سعيد بن منصور ، وَابن المنذر والبيهقي في "سُنَنِه" عن مجاهد قال:(( لا تضع المسلمة خمارها أي لا تكون قابلة عند مشركة ولا تقبلها لأن الله تعالى يقول:{أو نسائهن} فلسن من نسائهن )).

 

وأخرج سعيد بن منصور والبيهقي في "سُنَنِه" ، وَابن المنذر عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه:(( أنه كتب إلى أبي عبيده أما بعد ، فانه بلغني أن نساء المسلمين يدخلن الحمامات مع نساء أهل الشرك فانه لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن ينظر إلى عورتها إلا أهل ملتها )).

وأخرج َابن أبي شيبة وعبد بن حميد ، وَابن جريرعن ابن عباس في قوله:{ أو التابعين غير أولي الإربة من الرجال} قال:(( هو الذي لا يستحي منه النساء )).

وأخرج ابن جرير ، وَابن المنذر ، وَابن أبي حاتم والبيهقي في "سُنَنِه" عن ابن عباس في قوله{أو التابعين غير أولي الإربة} قال:(( هذا الرجل يتبع القوم وهو مغفل في عقله لا يكترث للنساء ولا يشتهي النساء )).

 

وقال تبارك و تعالى:{يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاء الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَن يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً } [الأحزاب:59] .

أخرج ابن سعد عن محمد بن كعب القرظي رضي الله عنه قال:(( كان رجل من المنافقين يتعرض لنساء المؤمنين يؤذيهن فاذا قيل له قال : كنت أحسبها أمة فأمرهن الله تعالى ان يخالفن زي الأماء ويدنين عليهن من جلابيبهن تخمر وجهها إلا احدى عينيها:{ذلك أدنى أن يعرفن} يقول : ذلك أحرى ان يعرفن ))

وأخرج عَبد بن حُمَيد ، وَابن جَرِير ، وَابن المنذر ، وَابن أبي حاتم عن محمد بن سيرين قال:(( سألت عبيدة عن هذه الآية:{يدنين عليهن من جلابيبهن} فرفع ملحفة كانت عليه فقنع بها وغطى رأسه كله حتى بلغ الحاجبين وغطى وجهه وَأخرَج عينه اليسرى من شق وجهه الايسر مما يلي العين )).

وأخرج ابن جريرعن ابن عباس رضي الله عنهما في الآية قال:(( كانت الحرة تلبس لباس الامة فأمر الله نساء المؤمنين ان يدنين عليهم من جلابيبهن وأدنى الجلباب : ان تقنع وتشده على جبينها )).

وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله:{يدنين عليهن من جلابيبهن} قال:(( يسدلن عليهن من جلابيبهن ، وهو القناع فوق الخمار ولا يحل لمسلمة أن يراها غريب إلا ان يكون عليها القناع فوق الخمار وقد شدت به رأسها ونحرها )) والقناع هو غطاء الوجه .

 

وأخرج ابن أبي شيبه ، وَابن المنذر ، وَابن أبي حاتم عن عكرمة في الآية قال:(( تدني الجلباب حتى لا يرى ثغرة نحرها )).

وأخرج ابن المنذر ، وَابن أبي حاتم عن محمد بن سيرين قال:(( سألت عبيدة السلماني عن قوله الله:{يدنين عليهن من جلابيبهن} فتقنع بملحفة فغطى رأسه ووجهه )).

 

وأخرج َابن أبي شيبه ، وعَبد بن حُمَيد ، وَابن جَرِير وابن لمنذر ، وَابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله:{يدنين عليهن من جلابيبهن} قال:(( يتجلببن بها فيعلمن انهن حرائر فلا يعرض لهن فاسق بأذى من قول ولا ريبة )).

 

وقال تعالى:{وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاء اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحاً فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَن يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ وَأَن يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَّهُنَّ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ }[النور:60] .

أخرج ابن المنذر ، وَابن أبي حاتم والبيهقي في السنن عن ابن عباس في قوله:{والقواعد من النساء} قال:(( هي المرأة لا جناح عليها أن تجلس في بيتها بدرع وخمار وتضع عنها الجلباب ما لم تتبرج لما يكره الله وهو قوله {فليس عليهن جناح أن يضعن ثيابهن غير متبرجات بزينة} )).

 

وأخرج أبو عبيد في فضائله ، وَابن المنذر ، والبيهقي في السنن عن ابن عباس انه كان يقرأ:{أن يضعن ثيابهن} ويقول:(( هي الجلباب )).

 

وأخرج عبد الرزاق ، وعَبد بن حُمَيد ، وَابن المنذر ، وَابن أبي حاتم والطبراني والبيهقي في السنن عن ابن مسعود في قوله:{ فليس عليهن جناح أن يضعن ثيابهن } قال:(( الجلباب والرداء )).

 

 وأخرج البيهقي عَنْ عَاصِمٍ الأَحْوَلِ قَالَ:(( كُنَّا نَدْخُلُ عَلَى حَفْصَةَ بِنْتِ سِيرِينَ وَقَدْ جَعَلَتِ الْجِلْبَابَ هَكَذَا وَتَنَقَّبَتْ بِهِ فَنَقُولُ لَهَا رَحِمَكِ اللَّهُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى:{ وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللاَّتِى لاَ يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ } هُوَ الْجِلْبَابُ قَالَ فَتَقُولُ لَنَا : أي شَىْءٍ بَعْدَ ذَلِكَ فَنَقُولُ:{ وَأَنْ يَسْتَعْفِفنَ خَيْرٌ لَهُنَّ } فَتَقُولُ: هُوَ إِثْبَاتُ الْجِلْبَابِ )).

وأخرج أبو داود ، عن صفية بنت شيبة قالت:(( بينا نحن عند عائشة فذكرن نساء قريش وفضلهن فقالت عائشة إن نساء قريش لفضلي واني والله ما رأيت أفضل من نساء الانصار أشد تصديقا لكتاب الله ولا إيمانا بالتنزيل لقد أنزلت سورة النور:{وليضربن بخمرهن على جيوبهن} انقلب رجالهن اليهن يتلون عليهن ما أنزل اليهن فيها ويتلو الرجل على امرأته وبنته

وأخته وعلى ذي قرابته فما منهن امرأة إلا قامت إلى مرطها فاعتجرت به تصديقا وإيمانا بما أنزل الله في كتابه فاصبحن وراء رسول الله r للصبح متعجرات كأن على رؤوسهن الغربان )) أخرجه أبوداود وهو حديث صحيح.

 

وهذه الآثار تدل دلالة لا ريب فيها أن الجلباب هو ما يغطي الوجه وأن الخمار هو غطاء الرأس  , قال شيخ الإسلام رحمه الله " فإذا ضربت المرأة بالخمار على الجيب سترت عنقها وأمرت بعد ذلك أن ترخى من جلبابها والإرخاء أنما يكون إذا خرجت من البيت فأما إذا كانت في البيت فلا تؤمر بذلك " أ.هـ انظر مجموع الفتاوى:[ ج15/ص372 ] .

 

وقال:" وكذلك المرأة ة الحرة تختمر في الصلاة كما قال النبي  r:[ لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار ] وهى لا تختمر عند زوجها ولا عند ذوى محارمها فقد جاز لها إبداء الزينة الباطنة لهؤلاء " أ.هـ  انظر مجموع الفتاوى:[ ج22/ص 114]  .

ولم يحفظ عن صحابي واحد أن المرأة لها أن تبدي وجهها لغير محارمها.

 

فائدة عزيزة : روى البخاري عن أنس رضي الله عنه قال: قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه:(( يا رسول الله يدخل عليك البر والفاجر فلو أمرت أمهات المؤمنين بالحجاب فانزل الله آية الحجاب )).

عن عائشة:(( أن أزواج النبي r كن يخرجن بالليل إذا تبرزن إلى المناصع - وهو صعيد أفيح - فكان عمر يقول للنبي r احجب نساءك فلم يكن رسول الله r يفعل فخرجت سودة بنت زمعة زوج النبي r ليلة من الليالي عشاء وكانت امرأة طويلة فناداها عمر ألا قد عرفناك يا سودة حرصا على أن ينزل الحجاب فأنزل الله آية الحجاب )) رواه الشيخان.

وعن أنس بن مالك ، رضي الله عنه ، قال:(( لما تزوج رسول الله r زينب ابنة جحش دعا القوم فطعموا ثم جلسوا يتحدثون ، وإذا هو كأنه يتهيأ للقيام فلم يقوموا فلما رأى ذلك قام فلما قام , قام من قام وقعد ثلاثة نفر فجاء النبي r ليدخل فإذا القوم جلوس ثم إنهم قاموا فانطلقت فجئت فأخبرت النبي r أنهم قد انطلقوا فجاء حتى دخل فذهبت أدخل فألقى الحجاب بيني وبينه فأنزل الله:{يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي} الآية .

 

قال عياض:" ولا يجوز إبراز أشخاصهن وإن كن مستترات إلا فيما دعت الضرورة إليه من الخروج إلى البراز وقد كن إذا حدثن جلسن للناس من وراء الحجاب وإذا خرجن لحاجة حجبن وسترن " أ.هـ انظر فتح الباري:(11 / 24) باختصار.

وما ذكره رحمه الله ظاهر جدا فإن عمر t كان ينكر خروجهن مع كونهن منتقبات متلففات حتى نزلت آية الحجاب وهي قوله تعالى{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانتَشِرُوا وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنكُمْ وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعاً فَاسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَاء حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ وَمَا كَانَ لَكُمْ أَن تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَن تَنكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِن بَعْدِهِ أَبَداً إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِندَ اللَّهِ عَظِيماً }[الأحزاب:53] .

 

ويزيده وضوحا قول أنس t :(( فألقى الحجاب بيني وبينه فأنزل الله:{يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي } الآية , وهنا يتبين لك بعض الأسرار في قوله تعالى:{يَا نِسَاء النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَاء إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلاً مَّعْرُوفاً }[ الأحزاب:32 ] .

 

وغاية ما تمسك به بعض أهل العلم في جواز كشف المرأة وجهها :

= ما رواه الشيخان عن عبد اللَّهِ بن عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قال:(( كان الْفَضْلُ رَدِيفَ رسول اللَّهِ  r فَجَاءَتْ امْرَأَةٌ من خثعم فَجَعَلَ الْفَضْلُ يَنْظُرُ إِلَيْهَا وَتَنْظُرُ إليه وَجَعَلَ النبي  صلى الله عليه وسلم  يَصْرِفُ وَجْهَ الْفَضْلِ إلى الشِّقِّ الْآخَرِ )).

والجواب عنه :

أنها كانت صغيرة السن لم تبلغ المحيض وهذا ما فهمه البخاري رحمه الله حيث قال وقال:" الزُّهْرِيُّ في النَّظَرِ إلى التي لم تَحِضْ من النِّسَاءِ لَا يَصْلُحُ النَّظَرُ إلى شَيْءٍ مِنْهُنَّ مِمَّنْ يُشْتَهَى النَّظَرُ إليه وَإِنْ كانت صَغِيرَةً وَكَرِهَ عَطَاءٌ النَّظَرَ إلى الْجَوَارِي التي يُبَعْنَ بِمَكَّةَ إلا أَنْ يُرِيدَ أَنْ يَشْتَرِيَ " أ.هـ  رواه البخاري:[ ج5/ص2299 ].

ثم أورد حديث ابن عباس , ويؤيد ما ذهب إليه البخاري رحمه الله ما رواه مسلم عن جابر قال:(( وَأَرْدَفَ الْفَضْلَ بن عَبَّاسٍ وكان رَجُلًا حَسَنَ الشَّعْرِ أَبْيَضَ وَسِيمًا فلما دَفَعَ رسول اللَّهِ  صلى الله عليه وسلم  مَرَّتْ بِهِ ظُعُنٌ يَجْرِينَ فَطَفِقَ الْفَضْلُ يَنْظُرُ إِلَيْهِنَّ فَوَضَعَ رسول اللَّهِ  صلى الله عليه وسلم  يَدَهُ على وَجْهِ الْفَضْلِ فَحَوَّلَ الْفَضْلُ وَجْهَهُ إلى الشِّقِّ الْآخَرِ يَنْظُرُ فَحَوَّلَ رسول اللَّهِ  صلى الله عليه وسلم  يَدَهُ من الشِّقِّ الْآخَرِ على وَجْهِ الْفَضْلِ يَصْرِفُ وَجْهَهُ من الشِّقِّ الْآخَرِ يَنْظُرُ ))  رواه مسلم:[ ج2/ص891 ] .

فقوله:(( يجرين )) يدل على أنها كانت صغيرة فإن مثل هذا العمل لا يصدر في العادة إلا من الصغيرة التي لم تبلغ المحيض.

قال الحافظ:" ووقع في رواية الطبري في حديث على:(( وكان الفضل غلاما جميلا فإذا جاءت الجارية من هذا الشق صرف رسول الله  r وجه الفضل إلى الشق الآخر فإذا جاءت إلى الشق الآخر صرف وجهه عنها وقال في آخره رأيت غلاما حدثا وجارية حدثة فخشيت أن يدخل بينهما الشيطان )) " أ.هــ  انظرفتح الباري:[ ج4/ص68 ] وصححه الشيخ ناصر رحمه الله في صحيح الجامع.

= وكذا حديث عائشة رضي الله عنها:(( ان أسماء بنت أبي بكر دخلت على النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم وعليها ثياب رقاق فأعرض عنها فقال:[ يا أسماء ان المرأة إذا بلغت المحيض لم يصلح ان يرى منها إلا هذا وأشار إلى وجهه وكفه ] )).

والجواب عنه :

فهو حديث ضعيف قال أبو داود: هذا مرسل  - أي منقطع - وفيه علة أخرى فراويه عن قتادة سعيد بن بشير ليس بالقوي لاسيما فِي رِوَايَته عَن قَتَادَة. وتفرده بهذا الإسناد يضعفه، وخالفه من هو أوثق منه., فقد أخرج أبو داود في المراسيل , حدثنا محمد بن بشار حدثنا ابن داود حدثنا هشام  عن قتادة أن رسول الله قال:[ إن الجارية إذا حاضت ، لم يصلح أن يرى منها إلا وجهها ويداها إلى المفصل ] , وهذا معضل لأن قتادة من صغار التابعين وليس من كبارهم. فغالب مراسيله عن التابعين لا عن الصحابة., ولا يصلح أن يكون شاهدا للموصول لأنه من نفس الطريق كما تقرر في علوم الحديث.

 

وفيه علة في متنه : لم أقف على من نبه لها تبين أنه غلط وهــي /

أنها كانت أسن من عائشة ببضع عشرة سنة , هاجرت حاملا بعبد الله , أنظر سير أعلام النبلاء:(2 / 288) , وقد روى الشيخان عنها رضي الله عنها قالت:(( كنت أنقل النوى من أرض الزبير التي أقطعه رسول الله r على رأسي وهي مني على ثلثي فرسخ فجئت يوما والنوى على رأسي فلقيت رسول الله r ومعه نفر من الأنصار فدعاني ثم قال:[ إخ إخ ] , ليحملني خلفه فاستحييت أن أسير مع الرجال وذكرت الزبير وغيرته ، وكان أغير الناس فعرف رسول الله r أني قد استحييت فمضى فجئت الزبير فقلت لقيني رسول الله r ، وعلى رأسي النوى ومعه نفر من أصحابه فأناخ لأركب فاستحييت منه وعرفت غيرتك )) , فكيف تدخل على النبي r بثياب رقيقة حاشاها رضي الله عنها.

 

وعلى كل حال فقد قال الشاطبي رحمه الله " فإن الشريعة إذا كان فيها أصل مطرد في أكثرها مقرر واضح في معظمها، ثم جاء بعض المواضع فيها مما يقتضي ظاهره مخالفة ما اطرد، فذلك من المعدود في المتشابهات التى يتقى اتباعها؛ لأن اتباعها مفض إلى ظهور معارضة بينها وبين الأصول المقررة والقواعد المطردة " انظر الموافقات:(5 / 142) .

 

والحمد لله رب العالمين.

وكتبه

أبو عبدالرحمن عبدالله بن صالح العبيلان

25/ 5 / 1434هـ